تشاد: 66 عامًا بعد الاستقلال.. اقتصاد بلا مصانع يهدد بقاء الوظيفة العمومية كخيار وحيد للشباب

بعد 66 عامًا على استقلال تشاد، لا يزال الاقتصاد الوطني يواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في ضعف القطاع الصناعي ومحدودية قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل تستوعب الأعداد المتزايدة من الشباب.

ورغم ما تمتلكه البلاد من موارد طبيعية، وفي مقدمتها النفط والثروة الحيوانية والقطن والصمغ العربي والسمسم، لا يزال الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع غير الرسمي والوظيفة العمومية وعدد محدود من الشركات الكبرى، بينما تظل الصناعة التحويلية ضعيفة.

وتكشف بيانات دراسة للبنك الدولي حول المؤسسات في نجامينا عام 2018 عن محدودية حجم القطاع الخاص المنظم؛ إذ شملت الدراسة 153 مؤسسة، منها 106 مؤسسات صغيرة، و33 متوسطة، و14 مؤسسة كبرى فقط. ويعكس ذلك صعوبة انتقال الأنشطة الاقتصادية من المشروعات الصغيرة إلى شركات قادرة على التوسع وخلق أعداد كبيرة من الوظائف.

ويشكل الاقتصاد غير الرسمي جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي في البلاد. ووفق تشخيص للبنك الدولي، فإن أقل من 6% من المؤسسات غير الزراعية مسجلة رسميًا، رغم مساهمة الأنشطة غير الرسمية في دخل نسبة مهمة من الأسر، خصوصًا في المناطق الحضرية.

النفط لم يتحول إلى قاعدة صناعية

رغم أن النفط أصبح منذ بدء استغلاله تجاريًا عام 2003 مصدرًا رئيسيًا للإيرادات العامة والصادرات، فإن عائداته لم تؤدِ حتى الآن إلى التحول الصناعي المنشود.

ولا تزال تشاد تستورد جزءًا كبيرًا من المنتجات المصنعة التي تستهلكها، في وقت يمكن فيه توجيه جزء من مواردها إلى تطوير سلاسل القيمة المحلية، مثل تحويل القطن إلى منتجات نسيجية، والماشية إلى صناعات اللحوم والجلود، والسمسم إلى منتجات غذائية، والصمغ العربي إلى مواد ومنتجات ذات قيمة مضافة.

ويؤكد هذا الواقع أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي لتحقيق التنمية، ما لم ترافقه سياسة صناعية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى منتجات وفرص عمل واستثمارات محلية.

الوظيفة العمومية ليست حلًا دائمًا

يمثل التوسع في الوظيفة العمومية أحد أبرز المسارات التي يلجأ إليها الشباب الباحثون عن العمل، خصوصًا من حملة الشهادات، لكن قدرة الدولة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين تظل محدودة.

وتحتاج تشاد إلى الانتقال من نموذج يعتمد على الوظيفة الحكومية باعتبارها المسار الرئيسي للعمل إلى اقتصاد قادر على خلق وظائف في الصناعة والزراعة الحديثة والخدمات والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

وتتطلب هذه النقلة توفير بيئة أكثر ملاءمة للشركات، تشمل تسهيل الحصول على التمويل، وتوفير الكهرباء، وتطوير الطرق والبنية التحتية، وتبسيط الإجراءات والضرائب، وتأمين العقار الصناعي، وتعزيز الحماية القانونية للمستثمرين.

بناء سلاسل قيمة محلية

ويرى هذا الطرح أن الأولوية لا ينبغي أن تكون فقط في زيادة عدد الشركات، وإنما في بناء شركات قادرة على النمو وتوفير وظائف مستقرة.

ويشمل ذلك تطوير سلاسل قيمة متكاملة، بحيث يتحول القطن إلى صناعة نسيجية، والثروة الحيوانية إلى صناعات للحوم والجلود، والسمسم إلى منتجات مصنعة، والصمغ العربي إلى منتجات ذات قيمة مضافة، فيما تُستخدم الإيرادات النفطية في تمويل التنويع الاقتصادي والبنية التحتية والإنتاجية.

وبعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، يبقى التحدي الاقتصادي الحقيقي أمام تشاد في قدرتها على الانتقال من اقتصاد يستهلك موارده ويعتمد على الوظيفة العمومية إلى اقتصاد منتج تقوده الشركات والاستثمارات والصناعة.

فالمستقبل الاقتصادي للبلاد لن يُقاس بعدد الوظائف الحكومية الجديدة، بل بقدرتها على إنشاء بيئة تسمح لآلاف الشباب بتأسيس شركات قادرة على النمو وتوفير وظائف مستدامة. ومن دون قاعدة صناعية وقطاع خاص قوي، ستظل الوظيفة العمومية بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب الخيار الأكثر جاذبية، بينما تبقى فرص التحول الاقتصادي محدودة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *