شهدت الدورة الـ64 لـ Commission for Social Development التابعة لـ United Nations** تحولًا عميقًا في مقاربة قضايا التنمية الاجتماعية، حيث لم تنتهِ أعمالها بإعلان احتفالي، بل بمراجعة فكرية شاملة لمفهوم الرعاية باعتباره بنية تحتية أساسية للتنمية، لا مجرد أداة مساعدة اجتماعية.
انعقدت الجلسات من 4 إلى 10 فبراير، وشهدت انتقال النقاش من الشعارات العامة حول التضامن إلى صياغة إطار عملي لاقتصاد عالمي جديد للرعاية، يعيد تشكيل العقد الاجتماعي المعاصر.
📌 من تحويلات الدخل إلى “بنية الرعاية”
خلال الجلسة السادسة، التي أدارها الخبير الاقتصادي خوسيه أنطونيو أوكامبو من جامعة كولومبيا، طُرحت مراجعة جذرية لفكرة راسخة مفادها أن الفقر مجرد نقص في الدخل.
وأكدت المتحدثة الصينية لي شينغ أن الفقر متعدد الأبعاد، ويتعلق بالقدرات والكرامة والفرص، مشيرة إلى تجربة بلادها القائمة على قواعد بيانات دقيقة وآليات حوكمة محلية لضمان ما سُمّي بـ«الضمانات الثلاث»، والتي تشمل:
- الأمن الغذائي والكساء
- التعليم الإلزامي
- الخدمات الصحية الأساسية
- السكن الآمن
- مياه الشرب
وخلصت المناقشات إلى أن أنظمة الرعاية تعمل كمثبتات اقتصادية كلية، إذ تمنع الأسر من السقوط مجددًا في الفقر عند وقوع الصدمات.
👩👧 البعد الثقافي وأزمة الرعاية
في الجلسة التالية، انتقل النقاش إلى البعد الاجتماعي والثقافي. وأوضحت شيلي آن إدواردز من معهد التخطيط الجامايكي أن أنظمة الرعاية اعتمدت تاريخيًا على العمل غير المدفوع الذي تؤديه النساء داخل الأسرة.
لكن مع ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل وتسارع شيخوخة السكان، أصبح هذا النموذج غير مستدام. ودعت إلى سياسات رعاية شاملة تقودها الدولة، تنسق التمويل والخدمات وآليات المساءلة، محذرة من اتساع فجوة عدم المساواة بين من يستطيع تحمل كلفة الرعاية الخاصة ومن لا يستطيع.
🏥 العمل غير الرسمي في قلب المعادلة
ركزت الجلسة السابعة على العمالة غير الرسمية، حيث تفتقر الغالبية في دول الجنوب إلى عقود وتأمينات اجتماعية.
وتحدثت فيوليت شيفوت، مؤسسة شبكة للعاملين الصحيين المجتمعيين في كينيا، مؤكدة أن مقدمي الرعاية الميدانيين – وغالبيتهم من النساء – يجب ألا يُنظر إليهم كفئات هشة فحسب، بل كقادة مجتمعيين ينبغي إشراكهم في صنع السياسات والميزانيات الوطنية.
وطرحت النقاشات إشكالية مركزية: الاعتراف الرمزي دون إعادة توزيع فعلي للموارد يظل ناقصًا.
⚖️ جدل المصطلحات: النوع الاجتماعي والتقاطعية
في اليوم الختامي، تبنت اللجنة عدة قرارات تعزز تنفيذ إعلان الدوحة السياسي، غير أن النقاش احتدم حول تعريف “النوع الاجتماعي” ومفهوم “التقاطعية”.
سجلت كل من إيران وروسيا وHoly See تحفظات رسمية، مؤكدة ضرورة الالتزام بالتعريف البيولوجي للجنس.
في المقابل، دافعت سويسرا، بدعم من كندا والمكسيك والمملكة المتحدة، عن الإبقاء على مفهوم “أشكال التمييز المتعددة والمتقاطعة”.
عكس هذا الجدل صراعًا فلسفيًا أعمق بين أولوية السيادة الثقافية من جهة، والتحليل البنيوي للتمييز من جهة أخرى.
🇳🇬 نيجيريا: مقاربة تربط الحقوق بالسياسات
برزت نيجيريا كفاعل إقليمي مهم، حيث دعت خلال فعالية موازية إلى إدماج العمل الرعائي ضمن إطار حقوق الإنسان، مع تعزيز الحماية القانونية لمقدمي الرعاية والأشخاص ذوي الإعاقة، وربط الحماية الاجتماعية بالاقتصاد التضامني.
وقدمت نيجيريا نموذجًا عمليًا لتوطين الالتزامات الدولية ضمن السياقات الوطنية الإفريقية.
🔮 نحو دورة 2026
اختُتمت الدورة بتسليم الرئاسة إلى ستيفانو غيرّا من البرتغال، الذي سيقود الدورة الـ65 حول المقاربات بين الأجيال.
وأكدت الرئاسة في كلمتها الختامية أن التنمية الاجتماعية لم تعد ملفًا هامشيًا، بل ركيزة لشرعية المؤسسات الدولية وصمود الاقتصادات.

